الأخبار

نادية ابراهيم القيسي : بعيداً عن كل شيء!

نادية ابراهيم القيسي  بعيداً عن كل شيء
أخبارنا :  

في ذلك الطريق المعبد الممتد.. تُطوى المسافات تاركةً خلفها تلك المدينة الناعسة التي ما زالت تترنح بعبق القهوة وتتململ برويةٍ في لحظات ضبابية ما بين الحلم واليقظة.. مقاومة إغراءاتٍ عِدَة.. أصغرها الاستغراق ثانية في النوم.. وأكبرها أسرار رغبات لا تبوح بها النفس.. إلا للنفس ما بين الرهبة والخجل.. اليأس والأمل.. الطموح والخوف من الفشل؛ فيأتي بغتة ذلك الضجيج المزعج لمنبهات الوقت معلنًا بزوغ بداية يوم جديد مُجبراً كل ما يسبقه على التلاشي والاستيقاظ عنوةً لخوض غمار صخب الحياة مرة أخرى.

يقال ان الترحال مدرسة وتلاميذه.. طلبة نجيبون.. وإذا أردت أن تعرف ماهية شخص ما حقاً.. رافقه في سفر كلما طال بك أمده كلما زادت بك البصيرة.. وكُشفت لك الخبايا بالحدس والتبصر حيناً وبالبرهان القاطع أحيانًا متعددة. فكان ذلك الطريق سلكناه.. نحو تلك الصحراء الرمضاء القابعة تحت شمسٍ في كبد السماء عالية.. لكنها -بشعور خيالي جامح- تبدو وكأنها تدنو خلسة رويداً رويداً.. تتسلل خفية بمهارة فذة مع كل خطوة مستهدفةً كل قطرة دمٍ تسري ما بين الودج والوتين مشعلةً بدهاءٍ ماكر نيران أحاسيس مختلفة. قد قيل في قديم الزمان ''السفر يكشف معادن الرجال'' ما بين الشهامة والمروءة.. الصدق والمصداقية.. الاتزان ورجاحة العقل.. الوقار والهيبة..المتوشحة بالدماثة والخجل الراقي ولكن بالمقابل.. بات السفر يكشف ضد كل تلك السمات الأصيلة المفعمة بالرجولة الحقيقية -مع الأسف- حيث أن مكنونات النفس البشرية المليئة بالتناقضات.. اللاعقلانية لا تقوى على إبقاء الأقنعة المزيفة معلقة بثباتٍ فوق الوجوه الحقيقية أمدًا طويلًا ولا تجيد إطالة التمثيل بلا زلات فاضحة للنوايا والأفعال وسوء الخلق النابع من الأمراض النفسية ما بين الأنا والنرجسية.. الغيرة.. الحقد والحسد.. والشعور بالنقص الذي لا يكتمل إلا بالإقتيات على محاربة الآخرين بكل الطرق اللاأخلاقية. لكن هل فقط الرجال من هم في كفتي الميزان هنا؟ سؤال من الذكاء ألا يجاب والصمت فيه خيرٌ من كل المقولات والكلمات فلا تثار بعض حفائظ النون والتاء فيصبح الفكر المستقل وحرية التعبير جريمة نكراء يليها حرب ضروس هوجاء يتخللها براكين وأعاصير تضرب بعشوائية انفعالية في كل مكان وزمان. يمضي الطريق.. شاسعاً.. رحباً.. متعرجاً بين الحين والآخر يحد جانبيه تلك الرمال المتوجة بألوانها.. ذهبية.. فضية.. رمادية.. وسوداء.. كما إنها تحاكي كل تلك الأفكار والتفكر في تباينات النفس البشرية.. وتمثل مشهد نسيجٍ متماسك يُفرض فيه الانصهار في بوتقة واحدة غريبة في تجانسها وتضادها في نفس الوقت معاً.. فهاهي ذا تُخفي في خباياها الكنوز.. كما تُدفن فيها الجيف.. يلمع فيها السراب.. ويُحفر فيها الآبار.. يُشيد فيها مضارب الكرم.. وتُطفأ فيها نار قوم ضُرب في بخلهم من الشعر مَثَل.

و يمر الزمن قاطعاً الانتظار نحو الوصول ما بين أحاديث عابرة.. وأخرى متعمقة.. ضحكات بريئة.. وغيرها متنمقة.. نظرات كلمات.. تساؤلات.. تهيؤات.. أحلام يقظة وأمنيات مُختلقة إلى أن تحط الرحال.. في مكان اللقاء ولكن هل حقاً تم الوصول؟ كم من دروب مشينا فيها بأجسادنا نقطع المحطات تباعًا.. ما بين زحف.. وهرولة.. نطمح بأن نكون هنا.. حيث الواحات الغناء في مخيلاتنا.. وما تسقيه الأحلام الوردية لعطش قلوبنا.. كم من مسيرٍ بدأنا فيه متكاتفين متعاضدين معاً بمشاعر دفاقة وأفئدة بالمحبة الأخوة والصداقة نابضة.. ليتساقط بعدها واحد تلو الآخر من حولنا.. تتلاشى كياناتهم في أعيننا وتزداد الأوزار من صنائعهم على كواهلنا.. فلا لنا أن نقف لنلتقط أنفاسنا أو نتراجع ونعود أدراجنا ولا لنا أن نكمل إلا بعزائم قُدت من جلمود صخر.. لا تنحني.. لا تنكسر.. ولا تخشى في الحق لومة لائم.

نصل؟ نعم نصل لكن فقط بالأجساد الفانية وتبقى الأرواح هائمة.. قد تكون معلقة متعلقة في مكان ما.. وقد تكون تائهة تبحث عن مأوى آمن يحتضن ارتعاداتها.. يداوي آلامها ويضمد جراحها الطفيفة قبل العميقة. نعم ينتهي السفر -يوماً ما وإن طال- بالوصول الناجح بإذن الله.. ولكن بعد أن تُكابد الكثير من العثرات والصعوبات فالدروب ليست محفوفة دوماً بالورود بل هناك يوجد صحاري وديان وسدود.. يسكنها أفاعي.. جوارح.. ضواري.. وقوارض تنقض على حين غرة لتنهش أقدام الساعين بلا أدنى ذمة أو ضمير فقط لتعيق المسير الذي تعجز عنه وبلا أي سبب. فكلما تألق الابداع.. كثر الأعداء ولكن تبقى القافلة تسير..

والله من وراء القصد

ــ الراي



مواضيع قد تهمك