الأخبار

د . جواد العناني

د  جواد العناني
أخبارنا :  

د . جواد العناني :


ولما أقسمت اليمين قراءة عن بطاقة وضعت أمامي، قلبت البطاقة لأكتشف أنني وزير التموين. فأنا بعد مقابلتي غير الموفقة مع سيادة الشريف عبدالحميد شرف لم أسأله عن الحقيبة التي سأتولاها، وإن كنت مقتنعاً أنني سأكون وزير الدولة لشؤون رئاسة الوزراء. أما وزارة التموين فقد جاءتني بتوصية من مضر باشا بدران الذي كتبت له ورقة الدفاع عن سياسات حكومته التموينية. ولكنني اكتشفت أنني لم أصبح وزيراً للعمل لأن معالي الأستاذ عمر النابلسي رفض استلام وزارة التموين، وقَبِلَ بالعمل. ولهول المفاجأة، جاء معاليه بتنسيب إلى مجلس الوزراء بتعيين فرحي عبيد مديراً عاماً للضمان الاجتماعي. وتذكرت ما حصل بيني وبينه في مكتبه وكيف أنه لم يؤمن بالضمان. فطمأنني كل من سيادة الرئيس ومعالي وزير العمل أنه الآن يؤمن بالضمان كليّةً.

وقد عملت كل جهدي لكي أقلل من دور وزارة التموين في تحديد الأسعار والكميات، وفي تقليل عدد المخالفات التي بلغت الآلاف ضد صغار التجار. وواجهت مشكلة الحليب «النيدو» الذي كان سريع الذوبان. وقد حافظت علبة النيدو (2 كيلو) على سعرها بمقدار (120) قرشاً طوال حكومة مضر باشا ووزير التموين معالي مروان القاسم. وفوجئت بأن مروان القاسم الذي صار وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء يتقصد مهاجمتي معتبراً إياني عدواً للشعب وجرت بيننا مناكفات كثيرة داخل مجلس الوزراء وخارجه. أما وكيل الوزارة المرحوم معالي محمد السقاف فقد كان اشتراكياً وبعثياً ويؤمن بدور وزارة التموين ايماناً مطلقاً.

وفوجئت بأن مندوب شركة » نستلة» المنتجة لحليب النيدو يطلب مني مضاعفة السعر، وقد اكتشفت أنهم كانوا يبيعون الحليب بسعر أقل من كلفته حتى يطردوا ماركات الحليب المجفف الأخرى من الأسواق. فطلبت مهلة شهر كي أجيبهم على طلبهم. وبدأت أبحث عن بدائل، وفجأة لما عرفوا أنني استوردت حليباً من لبنان والخليج، سحبوا الكميات الموجودة في السوق من حليب النيدو. وقامت في البلد ضجة كبرى على نقص الحليب، وتلقيت مئات الشتائم من أهالي الأطفال. وسألني سيادة رئيس الوزراء إن كنت اسمع ما يقال عني. فقلت نعم. قال: «وهل انت صامد» قلت نعم. قال توكل على الله». وسافرت خلسة إلى هولندا، واتفقت مع شركة على انتاج حليب سريع الذوبان بمقدار (48) ألف كرتونة(أو ما يساوي حوالي 252 ألف علبة) بكلفة دينار وعشرين قرشاً واصلة عمان. وسميتها «حليبنا». ولما وصلت ناديت شركة نيدو وقلت لهم، أنتم حددوا السعر الذي ستبيعون به، وعومت السعر، وعادت كل الأنواع إلى السوق.

ووجدت أن هنالك ست أو سبع شركات تعمل وكلاء لكبار شركات الأغذية في العالم وتحتكر تجارة الحبوب العالمية مثل القمح، والسمسم، والأرز، والطحين، والسكر. وكلما كنا نطرح عطاء لنشتري حاجتنا من هذه المواد ارتفعت الأسعار العالمية. وكنت أحياناً ألغي العطاء، وأحياناً أجزؤه، وأحياناً أفاوض كل تاجر على حده. وكم من مرة وجدت أن أسلوبي هذا قد خفض الأسعار أحياناً بمقدار (200) دولار لكل طن. كان التجار يتفقون فيما بينهم، ولكن أي تغيير في موقف الوزارة كان يخلخل اتفاقهم.

وكنت أؤمن تماماً أن دور وزارة التموين، والتي يجب أن تكون ضمن وزارة الزراعة هو تأمين المخزون الغذائي الكافي معتمدين إلى أكبر قدر ممكن على انتاجنا المحلي وربحه. فبدلاً من دعم الاستهلاك كان الأجدى دعم الانتاج. ولم يكن في تاريخ الأردن قرارٌ أسوأ من قرار انشاء وزارة التموين عام (1974) بسبب نقص السكر. وكذلك أنشأنا عام (1976) المؤسسة الاستهلاكية المدنية. كنت أؤمن بالأسواق الموازية، وترك القطاع الخاص ليحدد الأسعار. ومع أن ثمانين بالمئة من نفقات الأسرة الأردنية حينها كان خاضعة للتسعير بشكل من الأشكال خلال الفترة 1984-1982، إلا أن المستوى العام لتكاليف المعيشة كان يرتفع بالمعدل ما بين 16-18٪ سنوياً. فكيف ساهمت وزارة التموين في ضبط الأسعار كما كان يدعي شعارها؟

وقد ذهب ثلاثة من كبار التجار بعدها ليشتكوني إلى المغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين. وقد أخبرني جلالة بذلك لما كنت أزوره في «مايوكلينك» قبيل وفاته. وشرحت له رأيي في وزارة التموين، ولماذا الغيت في النصف الثاني من التسعينات. فاستمع الي باهتمام شديد رحمه الله.

وفي فجر يوم 3/7/1980، استفقت على تلفون الرئاسة ليقول لي إن الوزراء مدعوون الساعة السابعة والنصف صباحاً للقاء جلالة الملك بسبب وفاة الراحل عبدالحميد شرف لمشكلة في قلبه. وذهبت إلى دار الرئاسة لأرى وجوه زُملائي المتجهمة. وحضر جلالته وناقش فكرة تكليف أقدم الوزراء ليتولى الرئاسة لفترة انتقالية. واختير الراحل د. قاسم الريماوي رئيساً، واستمرت الحكومة بباقي أعضائها لمدة أقل من شهرين.

وفي شهر آب كنت أترأس وفداً إلى رومانيا. وقد كان معي في الرحلة السيد محمد صالح الحوراني حيث عمل حينها وكيلاً لوزارة الصناعة والتجارة، وعبدالرزاق البطاينة المدير التجاري بوزارة التموين. وجاءني هاتف إلى الفندق من الملحق التجاري بالسفارة الرومانية في عمان، والذي جاء مع الوفد إلى بخارست، وأبلغني أن زوجته اتصلت به من عمان وأبلغته أن الحكومة قد استقالت، وأن حكومة جديدة قد شُكلت برئاسة مضر باشا بدران. وقال لي لا أدري ما الذي سنفعله، واقترح عليّ أن اتصل بعمان واسأل، فناديت زميليَّ إلى غرفتي بالفندق وتشاورنا ماذا نصنع، وطلبت الرئاسة في عمان عبر هاتف الفندق، ولكن كل محاولاتنا باءت بالفشل، واتصلت أخيراً بالسفير سعادة السيد هاني طباره، فوجدت أنه لم يعرف باستقالة الحكومة بعد، ووعد أن يتصل ويعود إلي بعدها.

وأثناء فترة الانتظار صار ثلاثتنا يتنبأ بأسماء الوزراء القادمين مع مضر باشا فقلت لا بد من وجود معالي عدنان أبو عودة، ومعالي سليمان عرار(رحمه الله)، ومعالي حكمت الساكت(رحمه الله)، ومعالي سالم مساعدة، ومعالي سعيد التل، ومعالي علي السحيمات، ومعالي مروان القاسم، ومعالي المرحوم كامل الشريف، وحزرنا حوالي (14) اسماً. وقلت لهم لا أظن أنني عائد للحكومة، إلا إذا لم يجدوا أحداً أنسب مني ليكون وزيراً للعمل. وجاء الهاتف من السفير ليبلغنا أن الحكومة تشكلت وأعطانا أسماء الوزراء، ولم يكن اسمي من بينهم. فقلت لهم إن القائمة ناقصة فلا يوجد فيها وزير للعمل. فأكد معالي محمد صالح الحوراني أنني سأكون وزيراً للعمل ووافقه السيد عبدالرزاق البطاينة.

واتصل بعد قليل بنا السفير معتذراً ليقول أنني وزير للعمل، وأن الرئيس يقول لي أكمل مهمتك وعند عودتك تُطْلِع وزير التموين الجديد المرحوم إبراهيم أيوب على الذي تَوصَّلت إليه، وسررت أن وزير الصناعة والتجارة كان الراحل والصديق وليد عصفور، وأن عوني المصري وزيرا للأشغال العامة، والمرحوم معالي الدكتور محمد عضوب الزين وزيرا للاتصالات.

وبعد يومين عدنا لعمان، وذهبت فوراً لمقابلة دولة الرئيس وقدمت له استقالتي. فنظر إلي بهدوء وقال «والله إني كنت بدي اياك وزير زراعة، بس مروان بيك دودين عمل في المنظمة التعاونية، وأنت عملت وكيلاً لوزارة العمل ومديراً للضمان، وأنت قادر عليها»، فقلت له ولماذا لم تشاورني أو تتصل بي؟ فقال «لقد استدعاني جلالته من رحلتي في الشرق الأقصى على عجل، ولم يكن معي وقت، وأنا أعلم أنك لن تخذلني». وتجادلنا لربع ساعة وحذرته أنني ما أزال عند موقفي من وزارة التموين، فقال لي قل رأيك، ولا يهمك.

وعدت وزيراً للعمل. وكان بعض الموظفين الذي غاظهم تعييني وكيلاً للوزارة رغم صغر سني قياساً بأعمارهم، ورفضت تعيينهم في الضمان لعدم ثقتي بمؤهلاتهم، قد حسبوا حساب عودتي للوزارة

وزيراً. وكان أول ما فعلته أنني ناديتهم قائلاً » عفا الله عما مضى. أنا الآن وزيركم، ومن يعمل جيداً فله الحسنى من عند الله والتشجيع مني، ومن لم يفعل فحسبي الله ونعم الوكيل»، ولم يخيبوا أملي.

وفي منتصف فترة الحكومة، عام 1982، حصل تعديل وزاري وحيد وهو تعيين معالي سليمان عرار رئيساً للمجلس الوطني الاستشاري، وحل مكانه وزيراً للداخلية الأستاذ أحمد عبيدات. وقد جلس إلى جانبي وبيني وبين المهندس عوني المصري. وكان الرجل يراقب بعين ثاقبة كل النقاش الذي يجري في مجلس الوزراء، ويُدوّن ملاحظاته، وبعد كل جلسة لمجلس الوزراء، كنا نغادر معاً لأُجيب على استفساراته عن سبب اتخاذ قرار ما خاصة فيما يتعلق بالتنمية والاقتصاد والموازنة. وصرنا صديقين.

وفي نهايات عام 1983، استدعت الحكومة كل نواب الضفة الغربية الأحياء على نار هادئة، وأسْكَنَتهم في الفنادق. ولما حصل النصاب القانوني المطلوب لتعديل الدستور، أصدر جلالة الملك الحسين ارادة بعودة البرلمان، وكان من تبقى منهم أحياء. حوال (35) من أصل أربعين نائباً. وعدل الدستور ليسمح في الفترة الانتقالية التي يصعب فيها اجراء الانتخابات في الضفة الغربية المحتلة بانتخاب نواب مكان الذين توفوا من قبل أعضاء المجلس. وكذلك سمح باجراء انتخابات فرعية عامة داخل الضفة الشرقية ليحلوا مكان النواب الراحلين. وبعد ملئ شواغر نواب الضفة الغربية، حضر جلالة الملك الحسين إلى رئاسة الوزراء. وأخذ يشير إلى أن الحكومة أخطأت وأصابت وخاصة في مجال التنمية. وهذا في الوقت الذي بدأت فيه موجة الغلاء بالتراجع، وحقق الاقتصاد نمواً بلغ بالأرقام الفعلية (7%). وطلبت من جلالته أن أتكلم: فقلت «يا سيدي أن التغيير سنة الحياة، والنجاح في أداء المهمة قد يكون عدواً لصاحبه لأنه ينقل البلد من حالة إلى حالة أخرى تتطلب التغيير». فهز رأسه، وغادر جلالته المجلس، وطلب منا رئيس الوزراءأن نبقى مكاننا حتى يعود بعد وداع جلالته. ولما ذهب جلالته رفعت يدي متسائلاً، » دولة الرئيس لقد عدلنا الدستور، ومضى علينا ثلاث سنوات وخمسة أشهر، ألم يحن أوان التغيير؟؟» فأحتج علي بعض الزملاء ومنهم الأخ العزيز معالي محمد حسن المومني وزير البلديات، وآخرون غيره. لكن مضر باشا وافقني الرأي. كان ذلك قبل عشرين يوماً من استقالة الحكومة يوم 10.1.1984.

كنت جالساً في منزلي قرب الدوار الخامس.، واذا بجرس الباب يقرع، وشرفني معالي الاستاذ أحمد عبيدات بالزيارة. وقال لي «إن جلالته قد كلفه بتشكيل الحكومة الجديدة. وأنه مصمم على أن أكون معه». وكنت سابقاً وفي لقاءاتنا قد أخبرته أنني لن أعود للحكومة فقد مضى علي وزيراً أكثر من أربع سنوات، وكفاها المولى. وكلمني في اليوم الثاني وطلب مني المشاركة فوافقت، وعينني وزيراً للصناعة والتجارة، ووزيراً للسياحة علماً أنني كنت أريد وزارة الدولة لشؤون رئاسة الوزراء. ولكن وجود الأخ الراحل معالي سليمان عرار نائباً للرئيس جعل وجودنا الاثنين بالرئاسة غير مُبرر.

وقد أصر الرئيس آنذاك على أن أربعة من مدراء المؤسسات الهامة لا يجوز استمرارهم بعد قضائهم فترة طويلة، أو أن يجمعوا بين الادارة ورئاسة مجلس الادارة. وقد كانت المؤسسات المستهدفة هي عالية/ الخطوط الملكية الأردنية ورئيسها الراحل السيد علي غندور، وشركة البوتاس العربية ورئيسها الراحل السيد علي الخصاونة والذي كان مديراً عاماً لها أيضاً، والمرحوم السيد محمد كمال مدير عام التلفزيون ورئيس مجلس ادارة شركة الانتاج التلفزيوني، والمرحوم زهير الخوري رئيس مجلس ادارة بنك الاسكان والمدير العام.

تغير محمد كمال، ولم يبق رئيساً لمجلس ادارة شركة الانتاج. وقد كرمه جلالة الملك الحسين لاحقاً بوسام من الدرجة الأولى وعينه سفيراً في واشنطن. واستقال علي الخصاونة رافضاً إلا أن يجمع بين المنصبين. أما السيد علي غندور والسيد زهير خوري فقد تطلب الأمر تعديلات على قانوني المؤسستين، واللذين سمحا بالجمع بين المنصبين.

هذه كانت بداية الانشقاق بين الحكومة والديوان الملكي الهاشمي، وللقصة بقايا


مواضيع قد تهمك